الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

42

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الْخَيْراتِ ، فقوله : أَيْنَ ما تَكُونُوا في معنى التعليل للأمر باستباق الخيرات . فهكذا ترتيب الآية على هذا الأسلوب كترتيب الخطب بذكر مقدّمة ومقصد وبيان له وتعليل وتذييل . و ( كل ) اسم دال على الإحاطة والشمول ، وهو مبهم يتعين بما يضاف هو إليه فإذا حذف المضاف إليه عوض عنه تنوين كل وهو التنوين المسمى تنوين العوض لأنه يدل على المضاف إليه فهو عوض عنه . وحذف ما أضيف إليه ( كل ) هنا لدلالة المقام عليه وتقدير هذا المحذوف ( أمّة ) لأن الكلام كله في اختلاف الأمم في أمر القبلة ، وهذا المضاف إليه المحذوف يقدر بما يدل عليه الكلام من لفظه كما في قوله تعالى : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ [ البقرة : 285 ] أو يقدر بما يدل عليه معنى الكلام المتقدم دون لفظ تقدمه كما في قوله تعالى : وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ [ النساء : 33 ] في سورة النساء ، ومنه ما في هذه الآية لأن الكلام على تخالف اليهود والنصارى والمسلمين في قبلة الصلاة ، فالتقدير ولكل من المسلمين واليهود والنصارى وجهة ، وقد تقدم نظيره عند قوله تعالى : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ [ البقرة : 116 ] . والوجهة حقيقتها البقعة التي يتوجه إليها فهي وزن فعلة مؤنث فعل الذي هو بمعنى مفعول مثل ذبح ، ولكونها اسم مكان لم تحذف الواو التي هي فاء الكلمة عند اقتران الاسم بهاء التأنيث لأن حذف الواو في مثله إنما يكون في فعلة بمعنى المصدر . وتستعار الوجهة لما يهتم به المرء من الأمور تشبيها بالمكان الموجه إليه تشبيه معقول بمحسوس ، ولفظ وِجْهَةٌ في الآية صالح للمعنيين الحقيقي والمجازي فالتعبير به كلام موجه وهو من المحاسن ، وقريب منه قوله : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [ المائدة : 48 ] . وضمير هُوَ عائد للمضاف إليه ( كل ) المحذوف . والمفعول الأول لموليها محذوف إذ التقدير هو موليها نفسه أو وجهه على نحو ما بيناه في قوله تعالى : ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ [ البقرة : 142 ] والمعنى هو مقبل عليها وملازم لها . وقراءة الجمهور « موليها » بياء بعد اللام وقرأه ابن عامر « هو مولّاها » بألف بعد اللام